هشام جعيط

303

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الواقع نفسه ، أو الفصل بين التسميتين . ويرى ماسينيون « 1 » وفي أثره البراقي « 2 » أن أول يخص الكيان نفسه الذي تسمى باسمين مختلفين ، وقد تتضافر الدلائل على صحة هذا الرأي . لكنه ليس بديهيا من أول وهلة ، كما أنه من غير البديهي تحديد الموقع من قبل المؤلف نفسه في الشمال الشرقي عند طرف خطة ثقيف . ولنذكر أن الجبانة أو الثوية كانت لجمع أهل المدينة المشتمل على القرشيين والأنصار والثقفيين ومواليهم وحلفائهم . فما سبب هذه التسمية المزدوجة المحيرة ؟ وما سبب الإشارة إلى الثوية في المصادر كلما دفن فيها أحد الأشخاص المهمين من العصر الأولي ، لا سيما زياد ( توفى سنة 53 ه ) . علما أن هذه الكلمة ظهرت أول ما ظهرت بشأنه « 3 » في حين أن الجبانة لم تذكر بصفتها مقبرة سوى مرتين بمناسبة دفن « 4 » الفضل بن دكين مولى آل طلحة الذي توفي في خلافة المعتصم ، وسهل بن حنيف وكان من الأنصار ومن صحابة الرسول ، وقد مات في خلافة علي سنة 38 ه ؟ « 5 » . وخلافا لذلك فإذا تعلق الأمر بأعمال تاريخية أو أشير إلى هذا المكان كعلامة طوبوغرافية للثورة - المختار وزيد - أو كنقطة للمجتمع ، فإن تسمية الجبانة هي التي ترد دائما وليست الثوية . روي أن زيادا وقبله المغيرة بن شعبة ، وكذلك أبا موسى الأشعري « 6 » ، والأحنف بن قيس « 7 » دفنوا بالثوية . وقد جاء في أشعار كثيرة ذكر اسم الثوية مع قرنه بهيبة قريش « 8 » وقد ورد صدى هذا الاسم في قصائد المتنبي . كان للكلمة في حد ذاتها رنين شعري وهي تخرج عن المعجم العادي ، وتضيف لفكرة الموت لونا من العطف والرقة ، جاعلة من المقبرة « دار ضيافة » : إنه المعنى الأول للأصل ث ، و ، ى « 9 » . لا شك أن هذا البعد هو المفسر لثنائية التسمية ، الأولى شعرية والثانية عادية . فوجب قبول هذه الثنائية لأن كلمة ثوية أصبحت تستعمل للتفخيم وهي تلطف من رهبة الموت ، وتمتزج بصورتها فقط لما تنزل على الفضلاء وعظماء القوم من قريش لتميزهم عن الآخرين ، وهي في الآخر كلمة تثير منا الخشوع .

--> ( 1 ) Massignon , op . cit . , p . 47 . ( 2 ) مرجع مذكور ، ص 143 . ( 3 ) الطبري ، ج 5 ، ص 290 ، نقل الخبر عن عمر بن شبّة ؛ أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 281 - 282 . ( 4 ) ابن سعد ، ج 6 ، ص 401 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ج 3 ، ص 472 . ( 6 ) ياقوت ، معجم البلدان ، ج 2 ، ص 87 - 88 . ( 7 ) ابن قتيبة ، كتاب المعارف ، ص 564 . ( 8 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 281 - 282 . ( 9 ) لسان العرب ، مادة ثوى .